أبي طالب المكي

291

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

فأنا أعرف قال : ما هو ؟ الخرنوب الشامي ؟ قال : تعرف شيئا أقل ثمنا من الاسفيذاج يقوم مقامه ؟ قال : أما هذا فلا . قال : بلى . قال : ما هو ؟ قال : ماء الحمص بسمن البقر في معناه . فقال له عبد الرحمن : فأنت أعلم مني بالطب فلم تسألني ؟ . ويستحبّ للعبد إذا كان جائعا فتاقت نفسه إلى الجماع أن لا يأكل لئلا يجمع لنفسه بين حظين فيطلبهما ، فربما طلبت الجماع للتعفف وهي تريد الأكل لتنبسط به إلى الجماع . وفي الجمع بين شهوتين تقوية النفس وإجراء عادة لها . ويستحبّ للعبد إذا أكل أن لا ينام على أكله فيجمع بين غفلتين ، فيعتاد الفتور ويقسو قلبه لذلك ، ولكن ليصل أو يجلس فيذكر الله تعالى ، فإنه أقرب إلى الشكر . وفي الحديث : أذيبوا طعامكم بالصلاة والذكر لا تناموا فتقسو قلوبكم . فأقل ذلك أن يصلَّي أربع ركعات ، ويسبح مائة تسبيحة ، ويقرأ أجزاء من القرآن عقيب كل أكلة . وقد كان سفيان الثوري إذا شبع في ليلة أحياها ، وإذا شبع في يوم واصله بالصلاة والذكر ، وكان يتمثل فيقول : أشبع الزنجي وكده . ومرة يقول : أشبع الحمار وكده . وكان إذا جاع كأنه يتراخى في ذلك . وينبغي للمتقشف أن يأكل اللحم والدسم في الشهر مرتين ، فإن أكله أربعا فلا بأس قد كان السلف يفعلون ذلك . وفي خبر عن عليّ عليه السلام : من ترك أكل اللحم أربعين يوما ساء خلقه . ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه ، وقد نهى عن مداومة اللحم . وقيل : إنّ له ضراوة كضراوة الخمرة . وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول للمتقللين من أهل عبادان : احفظا عقولكم وتعاهدوها بالأدهان والدسم ، فإنه ما كان وليّ لله عزّ وجلّ ناقص العقل ، وإن أحبه المريد أن يأكل شيئا من الطيّبات والفاكهة فليجعل ذلك بدلا من الخبز ويقطع به جوعه ، فيكون ذلك له قوتا عند الحاجة إلى طعم ولا يكون تفكَّها لئلا يجمع للنفس بين عادة وشهوة ، فإنه أسرع لِمَلَلهِ لأنه إذا شبع من الطيبات غير الخبز شبعة أو شبعتين كان أقرب إلى تركه وانقطاع شهوته . ونظر أبو محمد سهل إلى ابن سالم شيخنا رحمه الله وفي يده خبز وتمر فقال له : ابتدئ بالتمر فإن قامت كفايتك به وإلَّا أخذت من الخبز بعده حاجتك . قال : إن التمر مبارك ، والخبز شؤم ، يعني أنه كان سبب إخراج آدم من الجنة . وأما بركة التمر فإن الله تعالى ضرب النخلة مثلا لكلمة التوحيد في قوله تعالى : * ( أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ ) * [ إبراهيم : 24 ] . قال ابن عباس : كلمة التوحيد لا شيء أحلى منها كشجرة طيبة وهي النخلة ، وليس في الثمار أحلى من الرطب . ولذلك شبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن في حلاوته ولينه وقوته وثبات أصله بالنخلة . فقال : لا يسقط ورقها مثلها كمثل المؤمن . يقول سهل رحمه الله :